الحكومة ذهبت وبقي «دنقلص» الفساد والتغيير.. و«بنشر» الإصلاح – خالد سلمان

الحكومة ذهبت وبقي «دنقلص» الفساد والتغيير.. و«بنشر» الإصلاح – خالد سلمان

حين تكون سياسة هذه البلاد هزلية هزيلة، فإن مخاطبتها والحديث عنها بوقار وتحليل سياسي رصين صارم، يحول الأمر برمته إلى مجرد لوحة كاريكاتيرية تجمع بين متناقضي: ضحالة السياسة في معطياتها، والإسراف في جدية تحليل هذه المخرجات.
أمام مشهد تحريك الباب الدوار ليخرج باجمال ويأتي آخر، سيكون من باب تجريب تجديد الخطاب، ليتوازى مع تجديد الحكومة، أن نكتب عن هذا التغيير بلغة غير سياسية، نستعير مفردات «الصنايعين». فالسلطة (مؤسسة الرئاسة)، وكما يفعل عمال البنشر، قد رمت أمام عجلات سير البلاد حفنات متتالية من الخوازيق السياسية الحربية المغامرة، والمسامير الإجتماعية الواخزة الدامية. أدمنت ترقيع كل شيء. حتى لم يعد في دولاب الحكم (عجلاته) ما يحتمل رقعة أخرى، أو قدرة على السير خطوة ثانية. واليمن تمضي على «الطاوة». ومقود السير في هكذا وضع، منفلت خارج السيطرة: سيطرة مراكز الحكم وارباب القيادة.
باجمال استنفد أهلية الاقناع.. أكل مركز السلطة لحم صدقة قطعة قطعة.. ثم ختم كل هذا اللحم المملح بوجبة «كراعين»، كوارع عظام السيد رئيس الحكومة المُقال.
في لعبة «التُرب» السياسي اليمني، لا بد من الإبقاء على ورقة قوة أخيرة غير معلنة. حين تحرق كل أوراقك تكون مقذوفاً بك خارج طاولة اللعب.
والرجل (باجمال) احرق كل الأوراق، وعلى عنق ضميره تحمل آثام التوقيع على هدر السيادة وترسيخ (بيع) الحدود. ثم نزف مصداقيته في حروب تجويع متتالية. قال كل حذلقاته وتراكيبه الكلامية. نظَّر للجرائم. فلسف للتجاوزات. برر لاعتقال الصحافة وذبح الحريات. وعد بجنة السمن واللبن. ملكها هو وحده بين يديه، وترك شعباً أسيراً لحلم الخبز والأمن وحرمة الدماء.
كنا نبحث في غث رئيس الحكومة الراحل، عما يساعد على ذكر محاسن الموتى، فلم يترك لنا الرجل ما يساعدنا، حتى سطراً من كلمة رثاء في مسار حياة ضالة مضلة، لم يملك صاحبها زلة واحدة باتجاه الفضيلة: فضيلة الإنحياز لفقراء الوطن.
مؤسسة الرئاسة تعرف جيداً مزاج الشعب الذي تُمسك بقياده وبخناقه. تدرك ان تجديد السخافات، أمر مهم يمنحها الشعب بموجبه فسحة لاختبار جدية القادم وما سيقال وما يطرح.. هكذا تأتي سخافة التعديل الحكومي.. ازاحة اراجوز الحكواتي التقليدي القديم، من مسرح العبث اليومي بعد ان اساط ودمر.. راكم وأثخن الناس بالمواجع والأحزان أو ربما عبر شماعته فعلوا كل ذلك، وهو الزوج المخدوع الذي يعلم ولا يعلم. وحان الوقت لوجه جديد لم يختبر رقعة أخرى، حقنة مسكنة تؤجل الإنفجار الإجتماعي ولا تلغي استحقاقات وفواتير اندلاع ألسنته الحارقة.
الخلل ليس في الحكومات ومسمياتها. فهي لا تصيغ السياسات ولا تصنع آليات التنفيذ. ليست أكثر من ادوات زينة، مساحيق وجه، وباروكات شعر مستعار. من يمسك بكل التفاصيل، من يملك كل شيء ولا يحاسب على شيء، من يقيل البرلمان متى يشاء، ويطيح بالحكومات.. يتخذ قرارات الحرب والسلم، وصفقات الهراوات المكهربة، ومصفحات قمع الشغب.. من يحشد بين انامله كل الصلاحيات، ويمرر من شقوق اصابعه بعيداً عنه كل المحاسبات، من يسكن القصر…
هو وحده «دنقلص» الفساد والتغيير وبنشر الإصلاح.
هنا المأساة.. هنا الكارثة. وهناك بين يديه يتوثب جحيم الوطن المرتقب.