خطر الثقافة والجنس – عبدالباري طاهر

خطر الثقافة والجنس – عبدالباري طاهر

ربما لا نبالغ إن قلنا إن تخلفنا الشامل والكامل قد أزرى بعصور البداوة والجاهلية. فهذه البحرين (أرض دلمون) ومركز الاشعاع الحضاري لآماد متطاولة، وبداية دولة القرامطة، وواحة التمدن والتحديث في مطلع القرن العشرين، تقدم المثل:
شهدت البحرين التعليم الحديث والثانوية العامة في العشرينات والثلاثينات، مشكّلة سبقا على معظم مدن الجزيرة والخليج.
ها هي مملكة البحرين التي لم يكن من مسوغ وقبول لتحولها إلى مملكة دستورية «لبرلتها» لتكون الشمعة الوحيدة في محيطها العربي والاسلامي شديد الظلامية والاستبداد!
ها هي أرض دلمون تشهد انتخابات «حرة وديمقراطية» يتنافس فيها ممثلو العشائر أو بالأحرى العشيرة شبه الوحيدة الآتية من قلب تميم: القبيلة الموزعة على أكثر من ست دول خليجية. ويتبارى فيها زعماء الطوائف الآتون من عصور التخلف والانحطاط والتردي والجاهلية الأولى. فيجيء مجلسها الموقر المكون من (……) جلهم من الاسلام السياسي بمذهبيه: السني والشيعي، وهو اسلام متحالف مع القرون الغابرة ويتساند على جواره الطائفي المتقاتل في ايران والعراق والسعودية.. وما خفي كان اعظم!
كانت الخمسينات والستينات وحتى الثمانينات مواجهة دائمة ومستمرة وممنهجة لقمع التيارات المدنية والحداثية.
وانعكس الجوار القومي والطائفي الخطر، على هذه الدولة الصغيرة نسبياً. وكان غبار حرب الخليج الأولى، والثانية، وحتى الثالثة، اكثر كثافة وإظلاماً في هذه الارض «الشعلة».
ولا ننس الأثر البالغ الذي تركته الثورة الايرانية ذات التوجه الشيعي على جزيرة صغيرة غالبية أهلها من الشيعة بينما الحكم سني.
وكانت الثمانينات والتسعينات وما بعدهما بداية صعود الاتجاهات الاسلامية المسيسة في المنطقة كلها.
والأكثر خطراً: مزج الاسلام السياسي: سنياً كان أم شيعياً، بالبداوة والقبلية، وعصبيات ما قبل عصر الدولة أو الديانات.
في الفترة الاخيرة اجتمع مجلس النواب في مملكة البحرين للمطالبة بتشكيل لجنة تحقيق في مسرحية «ليلى والمجنون». وهي مسرحية شعرية كتبها الشاعر المبدع والكبير حقاً قاسم حداد، ولحنها الفنان الكبير ايضاً مارسيل خليفة. وحداد وخليفة علمان كبيران، ومن رواد الشعر والفن في البلاد العربية. الأول من مؤصلي التجربة الشعرية الحداثية، ومن المناضلين القوميين التقدميين الذين تصدوا، ولا يزالون، للفساد والطغيان والظلامية والبداوة والتخلف. وقد أمضى حداد شطراً من عمره في السجون والزنازن، دفاعاً عن الحرية والحق.
اما رفيقه المبدع مارسيل فهو علم كبير في عالم التلحين والغناء، وله شهرة عالمية. وقد طاف مارسيل في الثمانينات الكثير من المدن والبلدان الامريكية والأوروبية ليعرِّف بالقضية الفلسطينية، وليجمع لها التبرعات مستفيدا من الجاليات الشامية والعربية والاسلامية في هذه المجتمعات.
والمروع ان يكفَّر مارسيل خليفة في مطلع القرن الواحد والعشرين، في لبنان، واحة الديمقراطية في المنطقة العربية كلها، ومركز الحداثة والتحضر والحرية. فلبنان كان ومنذ القرن العشرين مركز الحداثة والتعدد والتنوع، وموئل حرية الصحافة والرأي والتعبير، وكنز الاصدارات الحديثة والرواية والقصة والنقد والشعر الحديث.
كُفر مارسيل لأنه غنى قصيدة محمود درويش «أحد عشر كوكباً»، وهي قصيدة لا تتحدث عن اخوة يوسف ولا عن الآيات القرآنية. وإنما ترمز بالآيات وتسقطها وهو توظيف ادبي وابداعي للقصة والايات الكريمة لحالة الفلسطينيين في علاقاتهم باخوانهم العرب او بالاحرى بالحكام والدول التي يرمز لها بأحد عشر كوكباً. وهؤلاء الحكام قد غدروا بأخيهم يوسف (الفلسطينيين). والقرآن الكريم وظف قصص الأمم الغابرة للاعتبار والاتعاظ. في الادب جرى ويجري استخدام الرموز والابطال والقصص القديمة لاسقاطها على حالات معاشة ومعاصرة. فالمسيح والرسول محمد والحلاج والسهروردي ورابعة العدوية واوديب ونوح… وظفوا كاستخدامات متعددة وغنية: اوديب عند اليوناني سوفكليس غيره عند طه حسين، غيره عند علي الراعي «اوديب انت قتلت الوحش».
قاسم حداد شاعر مبدع بامتداد الأمة العربية، وعمق حضارتها وتاريخها وعبقرية لغتها. وهو لا يختلف عن امرئ القيس، أو عمر بن ابي ربيعة او الاخطل أو المتنبي إلا بتمثله للحياة الجديدة وروح العصر، وتقديم نص مختلف نوعاً عن نص اسلافه حتى من شعراء النهضة.
وقد تعرض حداد ككل رفاقه من شعراء الخليج إلى الاعتقالات المتكررة والتخوين والجلوزة ولكنه واصل درب الابداع عبر عطاءاته المتنوعة والمتعددة. سواء في قصيدته الحداثية أم عبر مجلة «كلمات» أم اصداراته وموقعه المائز والمهم.
شعرت بالخوف على هذا الشاعر الرائع وهو يتعرض لتهم جزاف تمس المعتقد وتمتشق المقدس. وتهم من هذا النوع هي ما أدى إلى قتل السهروردي وصلب الحلاج واغتيال فرج فودة وجار الله عمر، واعدام عالم الدين السوداني محمود محمد احمد طه. ولا ننسى، الحملة الظالمة ضد الفنان التشكيلي لفلسطيني ناجي العلي التي وصلت إلى مجلس الأمة الكويتي واسهم فيها قادة وكتاب وأدباء فلسطينيون وانظمة عربية ليخرج العلي إلى لندن بدون جواز سفر مما سهل اصطياده في لندن في قصة بوليسية لم تكشف جوانبها حتى اليوم، بسبب اشتراك اطراف عديدة فيها.
في البحرين وبعد اسبوع ثقافي زاه قدم فيه الشاعر حداد مسرحيته عن ليلى والمجنون وقام بالتلحين مارسيل، قام مجلس النواب ولم يقعد. فقد شكلت لجنة تحقيق في بعض لقطات عناق تمثيلية.
وبعض عبارات على لسان المجنون. ولكن زعماء الطوائف المنتمين قبلياً إلى مضارب داحس والغبراء اكثر من الانتماء إلى سماحة المعرفة أو الاعتقاد. فهذا الجاحظ يشنع على الذين يتورعون عن ذكر النيك او الحر، ويرى فيهم الورع الجاهل والتدين الغبي والأحمق. ومن هو الجاحظ؟!
 ومنهم هؤلاء العتاة الآتون من منابر البداوة والتخلف!؟
أما القاضي عبدالعزيز الجرجاني فقد قال إنه لو حذف شعر الخمر والمجون من ديوان العرب لذهب ثلثاه.
وكان حبر الأمة، عبدالله بن عباس، ينشد بين الأذان وإقامة الصلاة في الحرم قصيدة ابن ابي ربيعة: «أمن آل نعم أنت غاد فمبكر…».
وعندما عاتبه عتاة الخوارج قرأ عليهم قبل الصلاة:
وهن يمشين بنا هميسا
ان يطلع الفجر ننك لميسا
ثم كبر وأم الناس للصلاة.
وقد اورد معظم المفسرين هذا البيت في معنى الرفث.
ان المقلق حقاً ان الاسلام السياسي البدوي والطوائفي هو الذي يتصدى للشأن العام، ويمتلك حق الفتوى في امور لا صلة له بها. فمجلس النواب البحريني، المنقسم طائفياً والموحد قبلياً يتصدى لمسرحية، ويحاكم مقاطع تتحدث عن الغزل، وما دروا أن الرسول الكريم سمع من حسان بن ثابت قصائد التشبيب، كما اعطى بردته لكعب بن زهير بن ابي سلمى على قصيدته اللامية: «بانت سعاد…».
التي تتغنى بالخمر وتتغزل بالمرأة.
الموقف المتزمت من المسرح والتمثيل في عقول هؤلاء يجد تفسيره في التردي والتخلف، اكثر مما يجد تأويله أو سنده في الدين. والموقف من المرأة والاختلاط معيار مهم، فحراس الفضيلة وحماة الاخلاق(!) يرون في المرأة، العورة شراً مستطيراً. وربما كان لرؤية التوراة اثر في الحال اكثر من الكتاب والسنة، كقراءة السيدة عائشة.
ضغط وافتئات زعماء الطوائف الجدد لا يمكن أن يقابل إلا بيقظة وتنادي الادباء والكتاب والمثقفين والمهتمين بالحقوق والحريات في الوطن العربي والعالم لتلجيم كواسر التكفير والتأثيم والتخوين والتفسيق، الذين يتهددون الابداع، ويخنقون الحرية، ويئدون الكلمة والصورة، احفاد داحس والغبراء وان ارتدو لبوس السنة والشيعة. فالثقافة هي الخطر الداهم والعدو اللدود لدعاة الاستبداد وانصار الطغيان وعاظ السلاطين. والهوس بالجنس هو ما يثير الغرائز ويحجب نور المعرفة والحرية.