وأخرى.. منصور راجح

وأخرى.. منصور راجح

منذ يومه الأول خارج السجن/ الوطن. قرر منصور راجح ذهابه في اختراع حياة بدون شروط العسكر، «يبدو أن عليك أن تستعيد قدرتك على الحياة بدون عسكر». خمس عشرة سنة في السجن. ليست رقماً عادياً ولا نزهة تقضيها في عطلة نهاية الأسبوع. ليست ورقة رابحة في يا نصيب. ليست اشتراكاً في «من سيربح المليون». 15 عاماً ليست «ويك إند». إنها حياة بأكملها. حياة في السجن/ الوطن. والسجن بتهمة لاتعنيك وبجريمة لست فاعلها. سجن إضافي. سجن داخل سجن.
وهناك التوقيت. ابتداء تاريخ سجنك من ليلتك الأولى. أخذك من أحضان عروسك وقناديل العرس لم تطفئ بعد. لم يذهب المعازيم إلى نومهم في حين تروح أنت إلى السجن/ الوطن. 15 عاماً ليست «ويك إند». خمسة عشر عاماً هي عمرك المسكوب والمحسوب عليك عنوة. المكتوبة على جواز سفرك وتقول أنك عشتها. أنك كنت فيها حياً كما الآخرين وسائر خلق الله. خمسة عشر عاماً هي من عمرك. و«عمرك طاحونة تأتي عليك.. يأكلونك بفمكم… منذ ان فتحت عينيك على الدنيا وهم يأكلونك وطعم أكلهم إياك في فمك كطعم الدم. كأنهم يأكلونك بفمك».
منصور راجح كان كل هذا وكان في داخله. «هناك حيث كنت في الزنزانة الرطبة الموحشة. كان صوت السيارات هو الصوت الوحيد الذي يذكرك بأن الحياة تجري بدونك». 15 عاماً في السجن والانتظار. «انتظار، ها هو العمل من اجل الخلاص يصبح ديدن حياتك، دون أن تعرف ماهية هذا الخلاص، ماهية او من ماذا وكيف… وتتساءل: أثمة خلاص؟».
ويكتب منصور راجح: «كأن العمل من أجل الخلاص ذاته: تقول لنفسك وتواصل المشي في المتاهة/ السجن، المتاهة/ الزنزانة، الحفرة، المتاهة/ الحرية، المتاهة/ الخلاص غير الممكن إلا في ما تأتيه وتعمله في سبيله دون أن تصل».
لكنه وصل وراح إلى حريته ولو في بلاد أخرى، باردة وغريبة. خرج بشرط أن لا يعود ثانية إلى الوطن/ السجن. بشرط أن يبقى في غربته وإلى الأبد. خرج من السجن/ الوطن ليوم واحد فقط إلى البيت «ثمة بيت أنت فيه» كما و «أخيراً ها أنت تقابل زوجتك داخل منزل. الساعة الحادية عشر، يجيئ أخوتك»… ثمة آخرون يجيئون. ماتزال محاطاً بالعسكر. ما تزال اسيراً… يأخذونك على عجل إلى المطار، فالطائرة التي سوف تحملك إلى هناك…».
خرج منصور راجح من الوطن/ السجن إذن. خرج ولكن بكلفة 15 عاماً من حياته. و15 عاماً في السجن/ الوطن ليست «ويك إند». خرج إلى النرويج حيث يسكن الآن ويكتب ويعيش حياته ولو بأثر رجعي. خرج ليكتب لنا «خارج السجن.. داخل الوطن» (حلقة أولى منه منشورة على صفحة (13) من هذي الصحيفة). خرج ليكتب لنا كتابة بلا أحقاد ولا أثقال عليها. وهي الكتابة المستعيدة وبرواق بال لما كان. تراه من بعيد. من فوق وتروح في وصفه واظهاره على السطح كتابة نقية. شاهدة وشهادة على أن صاحبها كان ولخمسة عشر عاماً هناك. في الوطن/الحفرة، الوطن/ السجن. معزولاً وخارج الحياة والعالم.
خمسة عشر عاماً ليست «ويك إند».

– جمال جبران