الخلط المأساوي المضحك.. بين الاهتمام والوصاية! – عبد الله القحطاني

الخلط المأساوي المضحك.. بين الاهتمام والوصاية! – عبد الله القحطاني

ما أكثر ما نرى ونسمع، هنا وهناك، أناساً يَسلقون الآخرين بألسنة حِداد، وأقلام حِداد، دون أن يُعفوا أحداً، من شتيمة من نوع ما، أو تهمة من طراز ما..!
 وإذا سألتَ أحدهم: لمَ تفعل هذا؟ ويلك!
 قال لك بعنجهية بليدة، أو غرور أبله: إن هؤلاء الناس جهلة، همج، متخلفون، عجزة، فاشلون. إنهم سبب هوان الأمة وضعفها، وذلّها وانحطاطها، وهم سبب نكباتها ومصائبها، وهم.. وهم..!
وإذا سألته: وما شأنك أنت في هذا كله!؟
أجابك بدهشة واستغراب: عجيب أمرك! ألست أنا من هذه الأمة!؟ أفلا يهمّني أمرها!؟ أفلا أقوى بقوّتها، وأضعف بضعفها، وأعزّ بعزّها، وأذلّ بذلّها..!؟ (وإذا كان يحسب نفسه على تيار إسلامي، أو مدرسة فكرية إسلامية، ويحفظ بعض الأحاديث النبوية، قال لك بثقة العالم: ويحك يا هذا! ألم تسمع بالحديث النبوي: مَن لم يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم!؟. أمّا إذا كان ذا توجّه علماني، وقرأ شيئا من كلام بعض المفكرين أو الفلاسفة، في الشرق أو الغرب، فقد يسرد على مسامعك بعضاً ممّا قاله كونفوشيوس، أو سبينوزا، أو هوشي منه، أو سارتر، أو زردشت.. عن سرّ بقاء الأمم وازدهارها، وأسباب شقائها وانهيارها..!).
فإذا سألته: وماذا فعلت أنت، لتخرج أمتك من الواقع السيئ الذي تراه، أو المصير المظلم الذي تتوقّعه !؟
أجابك بثقة: إنني أقول، وأكتب، وأوجّه، وأحذّر، وأنذر، منذ كذا سنة، لكن لا حياة لمن تنادي..! أمّة غلَب عليها الجهل، وكتِب عليها الشقاء! فماذا بوسع القلّة القليلة، من العقلاء أمثالي، أن تفعل، لإنقاذها ممّا هي فيه، أو تجنيبها المستقبل الأسود الذي ينتظرها!؟ لكن مع ذلك، سنظلّ نقول ونكتب، أداءً للواجب، وإبراءً للذمّة، عسى أن يَسمع الناس كلامنا ويقتنعوا به..!
 وإذا سألته: أليس لديك لغة خير من لغة الاتّهام والتجريح، هذا إذا لم يكن لديك شيء مفيد تفعله سوى الكلام!؟
أجابك بنزق: ما الذي يمكن أن يفعله مثلي سوى الكلام، وليس لي منصب أفرض من خلاله آرائي وأفكاري وتصوراتي على الناس!؟ ثم أيّة لغة تجدي مع هؤلاء الجهلة الأغبياء، أفضل من هذه اللغة الحادّة القاسية!؟ فإذا كانت هذه اللغة لا توقظهم من غفلتهم، أو تحرك مشاعرهم، فهل تتوقّع من لغة هادئة عاقلة مهذبة، أن تؤثّر في نفوسهم الخرِبة، وعقولهم البليدة!؟ (ولن تستطيع، بالطبع، أن تسأله السؤال المألوف، الذي يتطارحه العقلاء فيما بينهم، في مثل هذه الحوارات، وهو: ولمَ تفترض أنك وحدك على صواب، وأن الآخرين جميعاً على خطأ!؟ لأنك ستدخِل نفسَك، ببساطة ودون مقدمات، في دائرة الجهلة الحمقى الأغبياء، الذين يستحقّون الشتم والاتّهام والتجريح! فهذا الطراز من البشر لا يستطيع، أصلاً، أن يَميز الخطأ من الصواب! فالصواب عنده هو ما يقوله هو، حصراً! والخطأ عنده هو ما يقوله الآخرون، بصرف النظر عن إمكاناتهم ومؤهلاتهم ومواقعهم، وخبراتهم في القضايا التي يدّعي أنه أعلم أهل عصره فيها، حتى لو كانت تدخل في صميم اهتمامهم، وتتعلق بمصير مجتمعاتهم وأوطانهم..!؟).
 وحين تحاول أن تستعرض شريحة من هذه النماذج، لتعرف طبائعها ودوافعها، تكاد تحصرها في أنماط محدّدة قلّما تخرج عنها:

1- الأحمق الثرثار الفضولي، الذي تطوّع بأن ينصّب نفسه وصيّاً على الأمّة كلها، من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، ويرصد كل حركة و سكَنة، في هذه الدولة أو تلك، وفي هذا الحزب السياسي أو ذاك، وفي هذه القبيلة أو الطائفة أو الملّة أو تلك.. ليتّخذ من هذه الحركات والسكنات، مادّة لحديث يتسلّى به يوماً، أو أسبوعاً، فيرضي شهوة الفضول لديه، ويريح ضميره القلق، الذي تعذّبه مآسي الأمة ومصائبها! ويروي نزعة الغرور لديه، أمام الآخرين، بحرصه الشديد على مصالح الأمة!
وهذا الطراز من البشر لا هويّة محددة له.. فقد يكون متديّنا يشتم العلمانيين لضلالهم، ويشتم المتديّنين لعجزهم أو جهلهم، ويشتم العقلاء لأنهم لا يكترثون بكلامه..!
كما قد يكون علمانياً غير متدين، يشتم المتديّنين لأنهم سبب جهل الأمّة وتخلّفها ومصائبها كلها، ويشتم العلمانيين أيضا لتقصيرهم في تنوير الناس، وتفتيح أبصارهم وبصائرهم للقضاء على جهل المتديّنين وتخلّفهم..!
2 – المستفيد الذي يحركه الجشع، وتدفعه نزعة (القَبض) من هذه الدولة أو تلك، ومن هذه الصحيفة أو تلك، ومن هذه القناة الإعلامية أو تلك..! فهو يلهث ليقبض، ولو كانت مادّة حديثِه سمعةَ أمّه وأبيه، وصاحبتِه وبنيه، وفَصيلتِه التي تؤويه! دون أن يخطر في باله أن يقف لحظة واحدة، ليفكّر في التأثير المتوقّع لكلامه، على الناس الذين يتحدث عنهم، أو على مصلحة الأمّة، التي يدعي الدفاع عنها وعن مصيرها، أو على سمعته، هو شخصياً، بين الناس..! فلا وقتَ لديه للتفكير، لأن أيّة لحظةِ توقّف للتفكير، ستُضيع عليه وقتاً يكتب فيه سطراً أو سطرين، في مقالة يقبض عليها مكافأة صحفية، أو مكافأة أخرى من جهة أخرى..!
ولا يُشترط، بالطبع، أن الذي يقبض من صحيفة، يقبض من دولة، كما أن القبض من هذه لا يحرمه، بالضرورة، نعمةَ القبض من تلك!
3 – المرتبط (أيديولوجياً) بجهة ما، تحرّكه لإثارة هذا النوع من القلق، والتشكيك، والطعن بالأمة كلها، بشتّى توجّهاتها وأفكارها، وبسائر رموزها ومؤسّساتها، لتيئيس الناس منها، ومن إمكانية إصلاحها.. لأن الخلل كامن في جبلّتها، وفي صميم تكوينها..!
فهل هذا الطراز من البشر، بسائر أصنافه، مؤهّل لأن يدفع عن الأمّة خطراً أيّ خطر أم هو خطَر قائم بذاته، ينبغي على عقلاء الأمة جميعاً التنبّه إليه، ومحاصرته أينما وجِد، وإلى أيّ تيّار سياسي، أو مدرسة فكرية، انتمى!
لا يدخل هنا بالطبع، صنف (الشتّامين الخاصّين)، المتفرغين لجهات معينة، يشتمونها ويشهّرون بها، من مثل:
– الحزبي الذي انشقّ عن حزبه، وبدأ يشنّع بقادته ومؤسساته.
– المرتزق المستأجر من قِبل جهة معينة، لشتم جهة معينة بشكل خاصّ!
– المغامر الذي انضمّ إلى تجمّع ما، طمعاً بموقع ما، أو مغنم ما.. وحين لم يحصل على ما أراد، انشقّ على هذا التجمّع، وطفق يرشق عناصره بالشتائم والتهم، من كل صنف ولون.
– المسؤول الشتام داخل الحكومات ومَن يحطب في حبالها، ونظرائه في أحزاب المعارضة بأنواعها.